أبي منصور الماتريدي

4

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقال بعضهم : سمي القران : فرقانا ؛ لأنه أنزل بالتفاريق مفرقا ، وسائر الكتب أنزلت مجموعة ، لكن الوجه فيه ما ذكرنا بدءا ، وهو أقرب وأشبه . وقوله : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً : جائز أن يكون قوله : لِلْعالَمِينَ نَذِيراً ، أي : القرآن الذي أنزله على عبده يكون نذيرا لمن ذكر . ويحتمل قوله : لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً أي : ليكون محمد بالقرآن الذي أنزل عليه نذيرا ؛ كقوله : وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ [ فاطر : 24 ] ؛ وكقوله : وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ الأنعام : 19 ] أي : من بلغه القرآن من الخلق فرسول الله نذيره . ثم قوله : لِلْعالَمِينَ جائز أن يراد به الإنس والجن . ثم ذكر النذارة فيه ولم يذكر البشارة ، فإن كان على هذا فهو حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - أن ليس للجن ثواب إذا أسلموا سوى النجاة من العقاب ، ولهم عقاب بالإجرام ؛ لأن الله - تعالى - لم يذكر لهم الثواب في الكتاب ، وذكر لهم العقاب بالعصيان ؛ حيث قال : يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ . . . الآية [ الأحقاف : 31 ] ، جعل ثوابهم نجاتهم من عذاب أليم . وجائز أن يكون في النذارة بشارة - أيضا - ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ؛ لأنهم إذا اتقوا مخالفة الله ومعاصيه كانت لهم العاقبة ، فلهم بشارة في ذلك ونذارة ؛ كقوله : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً [ سبأ : 28 ] . وقوله : الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ : جائز أن يكون قوله : لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ صلة قوله : تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ ، ووجهه - والله أعلم - أي : تعالى عن أن يكون النذير الذي بعثه فيهم ، إنما بعثه لحاجة نفسه لجر منفعة إليه ، أو لدفع مضرة عنه على بعث ملوك الأرض من الرسل لحوائج أنفسهم : لجر النفع إليهم ، أو لدفع مضرة عنهم ، ولكن إنما يبعث النذير والبشير إلى الخلق لمنافع أنفسهم ؛ إذ لا يحتمل أن يكون من له ملك السماوات والأرض أن يبعث النذير والبشير لمنافع نفسه ولحاجته ؛ لغناه ، وأما ملوك الأرض لا يملكون ذلك ؛ فلذلك ما يرسلون ويبعثون من الرسل إنما يبعثون ويرسلون لمنافع أنفسهم وحوائجهم ؛ لدفع مضرة أو جر منفعة . وجائز أن يكون قوله : تَبارَكَ أي : تعالى عن أن يتخذ ولدا أو شريكا في الملك على ما نسبوا إليه من الولد والشريك ، فقال : تعالى عن أن يكون له الولد أو الشريك ؛ إذ له ملك السماوات والأرض ، فالولد في الشاهد إنما يتخذ لإحدى خلال ثلاث ؛ وقد ذكرناها .